التفكير الإبداعي: مهارة الربط العجيب

تأملات في الإبداع ومتطلباته

 

كثيرًا ما نسمع عن أشخاص مبدعين ومبتكرين، ويبهرنا إنتاجهم غير المسبوق، الانبهار الذي يدعونا للتفكّر والتساؤل؛ ما الأمر الذي أوصلهم لهذا التفوّق؟! ولا تطول تساؤلاتنا حتى نعزو الأمر لتفكيرهم المُبدع.

فما هو التفكير الإبداعي؟ ومن أين يأتي؟ وكيف يتطور؟

 

وفقًا لمعجم المعاني يعرّف التفكير الإبداعي بأنه التفكير الخلّاق الأصيل، ويعرّف الإبداع بأنه إيجاد الشيء من العدم، وهذه المعاني اللغوية تعكس لنا صورة عن مصنع العملية الإبداعية.

وعندما نتناول الإبداع من الناحية الاحترافية فإن “جيمس ويب يونغ” -الذي يعتبر من الكبار في عالم الإعلانات في أمريكا- يعرفه بأنه عملية الربط بين عناصر مختلفة لم يسبق ربطها، فلا تستدعي العملية الإبداعية خلق العناصر والمفاهيم من الصفر.

لا شك أن التفكير الإبداعي نعمة من الخالق عزّ وجل، وإذا سلمنا بكونها شيء يورّث لاستسلمنا من أول خطوة، الإبداع يحتاج – وإن كان مورّثًا- إلى صقل وتنمية، يحتاج للسقيا لينمو، فكما أن العلم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم، يكون الإبداع كذلك!

 

قد تولد لديك فكرة خلّاقة صباح اليوم، وفي مساء اليوم نفسه تزور الفكرة أحدًا آخر يُسخر هذه الفكرة ويطوعها، ويبذل جهده لتحقيقها على أرض الواقع، فهذا هو المبدع الحقيقي.

فلا يمكننا نسب فكرة لأحد لمجرد كونه فكر فيها؛ إذ أن آلاف الناس تفكر، لكن يمكننا نسب عملٍ، أو اقتراح، أو فرضية، لأحدهم وتسميتها باسمه.

هل كان نيوتن أول من تساءل عن سقوط التفاحة؟ لا أحد يدري! لكن العالم كلّه يدري أن نيوتن أوّل من صرّح بالفكرة، وعمل على دراستها واستخلاص القوانين منها.

يُقال إن الأعمال لا تأتي من العدم بل تُبنى على ما سبقها من أفكار، وأن ما نراه من أعمال إبداعية نظنها غير مسبوقة بسبب قصور نظرتنا، فالفنان المبدع ناسخ ومطوّر بطبعه.

الإبداع كأي مهارة أخرى، تنمو وتزدهر بالممارسة والتطوير، وتتقلص وتتصلب بالإهمال، ويأتي الإبداع في التفكير من خلال الخروج من المنطقة المألوفة، والخيارات المريحة والمستهلكة، مع تحلّي صاحب الفكرة بالشجاعة في طرح الفكرة وتنفيذها، وإلا فسيحكم عليها بالموت البطيء تجاهلًا أو نسيانا، فالإنسان المبدع يتّسم بالجَلَد ومواصلة العمل على تطوير أفكاره وتحويلها لواقع ملموس.

 

أخيرًا، لا يجب أن ننظر لإبداعنا في مجالٍ ما، كضربة حظ لا تتكرر! فقد كان “فرانز كافكا” يكسب عيشه من المحاماة صباحًا، يغفو عصرًا، يتمرن مساءً، ثم يهم بالكتابة حتى يأوي لفراشه.

إذا أبدعت فاصبر وثابر وداوم لئلا ينضب إبداعك، وليتحوّل إلى أسلوب حياة! احصر نفسك في مواضيع تستهدفها، مارس أكثر، انظر للأشياء الاعتيادية بطريقة غير اعتيادية، وسّع معرفتك العامة ثقافيًا واجتماعيًا، حَسّن أسلوب حياتك؛ نم جيدًا، واحرص على وجباتك، مارس التأمل، اهتم بنفسك من جميع النواحي الروحية والنفسية والجسدية، واختر نظام تطوير تلتزم به، أو اخلق لك نظامًا معيّنا، مع ترك نفسك قليلًا بين فينة وأخرى لتفعل ما تريد، ثم عد مُجِدّا كما كنت، ولتلمع نجمًا في سماء المُبدعين.